اخبار ومقالات

جودة التعليم أهم من أي شيء آخر


جودة التعليم أهم من أي شيء آخر

أ.د. محمد الربيعي

اثار انتباهي مقال منشور في الصحيفة الالكترونية Times Higher Education: بعنوان “عشرون طريقة رئيسية لتحسين درجتك في التسلسل العالمي للجامعات”، وفيه تتحدث الكاتبة امانده كودل عن أساليب تحسين النوعية في الجامعات والطرق التي يجب أن تسلكها في سبيل رفع درجاتها في السلالم العالمية للأداء.

كنت اتمنى أن أجد هذه النصائح مفيدة لكي انقلها بالتفصيل للجامعات العراقية، ولكني وجدت كثيرا منها غريبا بعض الشيء عن الواقع العراقي، فتيقنت ان الكاتبة تتحدث عن واقع عالمي مختلف لجامعات مستقلة، وما تواجهه جامعات العراق من تحديات لتحسين جودة ادائها لا يمكن حلها كليا عبر الطرق التي تقترحها الكاتبة.

يعود سبب ذلك الى عائق رئيسي وهو ان الجامعات العراقية تدار من قبل الدولة وفق قوانين ادارية تختلف جوهريا عما تتصوره الكاتبة لأسلوب ادارة الجامعات العالمية. وهذا ما رسخ لدي القناعة بأن على الجامعات العراقية ان تنتهج نهجا خاصا بها اذا ما ارادت تحسين ادائها مقارنة بالجامعات العالمية. لن احاول تقديم تفصيل كامل للأساليب التي اقترحتها الكاتبة، ولكن دعنا ننظر اولا الى عناوين المقالة الرئيسية لشروط التغيير وسنبدي رأينا حول بعضها في آخر المقال، والعناوين هي كالاتي:

  • 1-لتغيير الجامعة نحو الافضل لابد من تغيير اسلوب المكافآت والمغريات.
  • 2-الجامعة بحاجة الى افضل القادة لأجل استقطاب افضل الاساتذة.
  • 3-السيطرة على النوعية تتم من خلال اختيار افضل العناصر لعضوية لجان تعيين الاساتذة الجدد.
  • 4-لا يتعين إلا الافضل.
  • 5-وضع قائمة للمتميزين من بين التدريسيين ووضع نظام لمكافأتهم ماديا.
  • 6-التغيير نحو الافضل مؤلم ويتوجب فصل بعض التدريسيين.
  • 7-التعليمات الادارية الزائدة عن اللزوم لا تؤدي غرضها في تحسين النوعية.
  • 8-اذا كنت تريد افضل رؤساء اقسام، فادفع افضل الرواتب لهم.
  1. 9 – قدم مغريات للأساتذة لكي يجلبوا اموالا اكثر للبحث العلمي.
  • 9-قلِّل الروتين وعدد اللجان.
  • 10-كقائد تحتاج الى فتح باب مكتبك للأساتذة والموظفين.
  • 11-يجب تحسين العلاقة بين الادارة والهيئة التدريسية وتوضيحها بصورة افضل.
  • 12-ابدأ بتعليم المتميزين مهارات الادارة منذ بداية عملهم الاكاديمي.
  • 13-اختر اعضاء المجالس الادارية للجامعة والكلية على اساس كفاءتهم فقط ، ثم اعمل على تثقيفهم.
  • 14-تعلم ان تقول “لا” للقرارات الحكومية.
  • 15-امنح اعضاء هيئة التدريس رواتب ملائمة ووفر لهم افكارا ناضجة.
  • 16-عين العالِم في منصب القائد.
  • 17-تأكد من بقاء القائد في منصبه لفترة لا تقل عن خمس سنوات.
  • 18-امنح القائد صلاحيات كبيرة وإلا لست بحاجة الى تعيينه.
  • 19-امنح القائد صلاحيات اختيار العناصر الادارية الرئيسية لفريقه.

اذا نظرنا الى هذه المقترحات من وجهة نظر عراقية بحتة فإننا في الواقع سنجد انفسنا امام طرق شبه مسدودة. كثير من هذه المقترحات لا يمكن تحقيقها الا بتغيير القوانين الادارية وتوفير اموال جديدة كافية، لذا توجب ان ننظر الى بدائل اخرى ولربما الى تطويع بعضها لتتناسب مع الاوضاع المحلية والصلاحيات الادارية والامكانيات المالية المتوفرة، كعدم تعيين اي عضو هيئة تدريس جديد الا حسب توفر الكفاءة والمقدرة وليس لمجرد كونه حاصلا على شهادة عالية، ووضع اسس واساليب جديدة لمكافأة المتميزين، وتحسين العلاقة بين الاداريين والتدريسيين، وبهذا الخصوص كنت قد أكدت في مناسبات عدة بأن “الجامعات تحتاج الى تغيير جوهري في بيئاتها الاكاديمية لتحسين جوهر العلاقة بين الاكاديميين والإداريين، وعليها الاهتمام بمشاريع حل المشكلات وبالتجارب العالمية”، هذا بالاضافة الى ضرورة توفر امكانيات  تدريب او اعادة تدريب التدريسيين على مهارات الادارة والبحث العلمي، واختيار القادة على اساس كفاءتهم. ولربما تكون تجربة انتقاء الملحقين الثقافيين مؤخرا مثالا حسنا من المهم تطبيقه في كل مجالات التعيين سواء على صعيد القيادات الوزارية او الجامعية. كما ان امكانية “تعيين العلماء كقادة للجامعات”، متوفرة طالما ان الجهود متركزة على “تطوير الجامعات وإبعادها عن المحاصصة السياسية”، كما اكد عليه وزير التعليم العالي والبحث العلمي.

من جانب آخر ، فإن  امكانات تحقيق عدد من هذه الاقتراحات مازالت غير متوفرة كاختيار قيادات مناسبة من خارج العراق او “قيادات اجنبية” على اساس الكفاءة والمنافسة كما تفعل الجامعات الخليجية، او زيادة الرواتب او منح القائد الجامعي صلاحيات كبيرة او فصل التدريسيين المتقاعسين.

ولربما اضيف الى هذه المقترحات “عسيرة التحقيق” اقتراحات تطويرية اخرى كدمج الكليات والاقسام المتشابهة وعلى سبيل المثال بدلا من وجود كليات للطب والصيدلة وطب الاسنان والتمريض تدمج هذه الكليات في كلية واحدة للطب والعلوم الطبية، وكذلك يتم دمج اقسام اللغة العربية في كليات التربية والاداب وتحويلها الى كلية لغات بعد اضافة اقسام اللغة الكردية واللغات الاجنبية لها وهو ما سيؤدي الى تجانس وتفاعل افضل بين الكليات والاقسام المتشابهة والمتقاربة وتحسين ادارة الجامعة وارتفاع الكفاءة الاكاديمية وخفض التكاليف، وسيؤدي ايضا الى انعدام الازدواجية في البرامج والشهادات وزيادة التعاون المشترك في التدريس والبحث العلمي، علما ان في معظم الجامعات العالمية لا يزيد عدد الكليات على خمس أو عشر كليات، بينما يصل العدد في الجامعات العراقية الى اكثر من  عشرين كلية، بالاضافة الى ان بنايات الادارة الجامعية وادارة الكليات والاقسام تشغل مساحة كبيرة قد تصل الى اكثر من 40% من مساحة بنايات الجامعة التدريسية وهذه حالة شاذة عند الجامعات الغربية حيث لا تصل هذه المساحة باي حال من الاحوال الى اكثر من 5%. 

ومن المقترحات لتحسين جودة الاداء هو انتهاج سياسة جديدة تعتمد على تحقيق تطوير نوعي في مستويات اللغات الاجنبية خصوصا اللغة الانكليزية عند التدريسيين والطلبة والاداريين كأحد اهم الاساليب لانهاءعزلة التدريسي والطالب عن العالم وبعده عن مصادر المعرفة والادبيات العالمية والناتجة عن ضعف اللغة الانكليزية.

 تعتمد هذه السياسة على توفير مستلزمات تدريس اللغة كتابة ومخاطبة وبمعدل لا يقل عن ساعة يوميا ولمستويات مختلفة من الاداء لجميع التدريسيين والطلبة والموظفين. والاقتراح الاخر الذي ارى ضرورة تطبيقه هو تقليل عدد الساعات التدريسية المباشرة والتي تعتمد على التلقين والحفظ واستبدالها باسلوب العمل الجماعي، وبتكليف الطالب باستحصال المعلومة بدل الحصول عليها جاهزة من المدرس او الكتاب المقرر كالرجوع الى المصادر أو الى الانترنت وسبك المعلومات بطريقته الخاصة، وكذلك التأكيد على الأساليب التربوية التي تشجع على الفهم والتفكير المستقل والتساؤل والبحث والتجريب والنقد والعمل الجماعي. ويحتاج تحقيق هذا الاقتراح الى جهود مضنية لانها ستعتمد على فهم التدريسي للاساليب التربوية الحديثة وعلى تغيير فلسفة التعليم والتدريس، كما سيتطلب تغيير مناهج البرامج الاكاديمية ومحتويات المساقات والاساليب الامتحانية.

وفي هذا السياق لابد من الاشارة الى ان وزارة التعليم العالي تبنت مشروعا “لترصين التعليم العالي” هدفه النهوض بالواقع العلمي لمؤسسات التعليم العالي من خلال مبادرات وإجراءات مختلفة منها على سبيل المثال لا الحصر: “انشاء المختبرات التخصصية، واطلاق مجموعة من الجوائز التشجيعية للطاقات الشبابية المبدعة، واضافة مفردات السلوك المهني واخلاق المهنة للاختصاصات الطبية والهندسية والتربوية، واعادة النظر في تخصصات البعثات الدراسية، وتخصيص مقاعد ابتعاث للتخصصات النادرة، وتنفيذ مشروع تحديث وتطوير الموارد المعرفية في التعليم الجامعي”.

هذا واننا كنا قد توصلنا في ورشة عمل اليونسكو لتحسين الجودة في الكليات الهندسية العراقية التي عقدت من 22 الى 25 تشرين الثاني 2015 الى الاتفاق حول توصيات لتطوير منظومة التعليم العالي تضمنت: “ضرورة نشر ثقافة الجودة من خلال بناء خطط التحسين، والعمل ببرنامج مراجعة النظراء في الاقسام العلمية في الجامعات، والاهتمام بتحويل فلسفة التعليم الى الفلسفة المبنية على نواتج التعلم، كتبني مشاركة الطلبة بإبداء الرأي في مدى حصولهم على نتائج تعلم من المناهج الدراسية، والزام الجامعات للسعي الجاد للانتقال من التعليم الى التعلم،  كالتعلم المبني على المشروع او المشكلة، وتفعيل مهارات الاتصال والتواصل بين التدريسي والطالب ومهارات التفكير الابداعي والنقدي، وضرورة تعيين مقيم خارجي لكل قسم، وتشكيل مجلس استشاري من حقل العمل لكل قسم، وان تسعى الاقسام العلمية لإجراء عملية التوأمة مع الاقسام المناظرة لها في الجامعات العالمية لتكون مرجعا لها في تحسين الاداء”. هذه المبادرات والتوصيات تمثل تحديا كبيرا امام ادارات الجامعات واعضاء الهيئات التدريسية الا اننا كلنا امل في ان تتحول هذه التوصيات الى واقع عمل ويتم تنفيذها في فترة قصيرة نسبيا. 

السؤال الصعب هو هل ستكون هذه المبادرات والإجراءات كافية للخروج من ازمة جودة التعليم والبحث العلمي؟

اولا : لا يجوز التحدث عن ازمة جودة التعليم وكأنها اكتشفت مؤخرا فهي في الواقع معروفة ومشخصة منذ السبعينات من القرن الماضي، وان فعلنا هذا فلن نستطيع التحدث عن اسباب هذه الازمة، وليس من المنطقي القول ان الوزارة والجامعات عاجزة عن مواجهة الازمة لأننا نجد امامنا امثلة كثيرة عن التطور الحاصل في تحسين النوعية بالرغم من ان الضغط الناتج عن تدخل القوى السياسية ومجلس النواب، على سبيل المثال، في انشاء جامعات جديدة ،غير مستوفية للشروط وفي دفع الوزارة لتبني قرارات شعبوية لزيادة عدد الملتحقين بالجامعات وزيادة احتمالات تخرجهم شكل ضغطا كبيرا، بحيث ترك أثرا سيئا على نوعية التعليم. 

المطلب الرئيسي والجوهري لتحسين التعليم ومخرجاته هو إرادة وطنية لإصلاح نظام التعليم. ويتضمن هذا توفير الدعم الكافي للجامعات وللتدريسيين. ولا يوجد حل سحري لمساعدة الدولة للهروب من هذه الحقيقة. كما ان الدرس الحقيقي والاساسي والذي تعلمناه من خلال تجربة التعليم في العراق وهو ان جودة التعليم اهم من اي شيء اخر، وهذه حقيقة تعززها المؤشرات الدولية بحيث تركز عليها الجامعات من الهند الى ايرلندا ومن ماليزيا الى كاليفورنيا.

في عام 2009، نشرت مقالأ بعنوان ” لماذا نحن بحاجة الى نظام لضمان الجودة في الجامعات العراقية؟”. ألحقته بعدد اخر من المقالات حول الجودة، آخرها كان في مقتبل هذه السنة وكان بعنوان “هل تحقيق جودة التعليم مهمة مستحيلة في الجامعات العراقية؟”. جاء في هذه المقالات عدد من الافكار حول نظام التعليم وتحسين الجودة، ولكن الفكرة الرئيسية كانت بسيطة وعميقة في الآن نفسه، وهي أنه ليس هناك اي بلد او تجربة يتم فيها الحفاظ على الجودة عن طريق الإبقاء على الوضع الراهن اي بتجنب التحديث والتغيير. وأكدت دائما على اننا بحاجة الى تعطيل مفعول المعتقدات التقليدية وعدم التهاون في تطبيق اسس نظام الجودة.

ولازالت هذه الفكرة التي تعززها المبادرات الدولية  لتحسين الجودة تختبر صناع القرار العراقي من ناحية الاجراءات والأساليب التي يتم انتقاؤها لتطوير التعليم العالي، وبالرغم من قناعتنا التامة بعدم وجود حل سريع لإحداث التغيير، وان إحراز الجودة يحتاج الى وقت، فإنه من المهم للغاية تغيير الثقافة السائدة التي تنظر الى الجودة على انها فقط مسؤولية قسم الجودة وليست مسؤولية كل فرد في الجامعة، وهي مجرد اجراءات وقت الحاجة وليست عملية مستمرة، ولا تعني الا مجرد ارضاء العميد ورئيس الجامعة، وتقديم الشكر والامتنان لهما لما تحقق من “انجازات”، وإنما هي عملية مصيرية تضع المسؤولين والتدريسيين بين خيارين فقط لا غير- اما ان تبقى الجامعات كمصانع قديمة وفي سبات دائم، وإما ان تتطور لتجاري ما يحدث في الجامعات العالمية.

هناك مثال اخر يدل على احراز تقدم كبير في تطبيق الاساليب العالمية للجودة في الجامعات العراقية. منذ أربع سنوات يقوم مكتب يونسكو العراق بالتعاون مع شبكة العلماء العراقيين في الخارج بتدريب تدريسيين من جميع الكليات الهندسية في الجامعات العراقية في مجال ضمان الجودة وكتابة تقارير التقييم الذاتي، ووضع خطط التحسين. وتم تحقيق اهداف المشروع من خلال عدة أنشطة من ضمنها  ورشات عمل، وزيارات ميدانية للكليات الهندسية.  ومن المرجو ان تدعم هذه المبادرة التوجه الستراتيجي للكليات والاقسام الهندسية، بما فيه: تحسين جودة التدريس، وتشخيص فرص جديدة لمبادرات تحسين الجودة، وقياس فعالية تنفيذ الخطط، واستخدام النتائج لغرض تخطيط مشاريع مستقبلية جديدة لتحسين الجودة.

جميع هذه التطورات في التعليم مشجعة، ولكن ما تزال الفوائد تدريجية. والتحدي الكبير الآن هو إيجاد وسائل لتحسين مخارج التعلم وتحقيق أداء أفضل بكثير، من خلال اصلاح النظام التعليمي الاولي والجامعي على حد سواء، وتغيير أساليب التدريس وإدخال التكنولوجيا التربوية إلى المدارس والجامعات، ولكن لا توجد الآن اختبارات جارية تشير الى نجاح المبادرات.

إن النجاح على صعيد تحسين جودة التعليم ما يزال بعيد المنال، ولكن يجب أن نحاول ولا نيأس.

منشور في جريدة المدى بتاريخ 28/12/2015 العدد (3535)

(الآراء الواردة في الموضوع لا تعبر بالضرورة عن رأي الجمعية ووجهتها انما هي اراء الكاتب)

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق