اخبار ومقالات

مأساة التلقين والحفظ في نظام التعليم العراقي



مأساة التلقين والحفظ في نظام التعليم العراقي

أ.د. محمد الربيعي

في سياق الحديث عن الاصلاح التربوي يطرح السؤال الاتي: ألا يفترض ان يكون سؤال العلاقة بين منهج التلقين والحفظ، وبين التخلف الذي يصيب كل جوانب حياتنا نتيجة فشل نظام التربية والتعليم في قلب اهتمام المدرسة والجامعة؟ لاسيما ان هناك معضلات كبيرة في عراق اليوم تحتاج الى طرح هذا السؤال.  ماذا يعرف طلبتنا عن التحولات العلمية والفكرية والتكنولوجية وعن العولمة والنظام العالمي الجديد والثورة الرقمية وصدام الحضارات، وعن الابداع والابتكار والتفكير النقدي والعمل الجمعي، والبحث والتجريب؟ وأين نحن من مجتمع المعرفة ومجتمع تكنولوجيا المعلومات وما يميز هذه الحقبة الزمنية من تاريخ البشرية؟ هل يعرف الوزير ان اساليب التدريس الحالية تعوِّد الطالب على الاستجابة والخضوع والى تقبل الخرافة والتقاليد البالية وانها تشجع على الغش بأشكاله المختلفة، وتخلق انساناً متخلفاً غير واعٍ وغير ناقد مما يمكن لأي سياسي ان يتحايل عليه باسم الدين او بغيره، لأنه ببساطة لم يتعلم ان يفكر وينتقد.

لقد لعب التلقين والحفظ دورا أساسيا في بناء المناهج منذ تأسيس المدرسة الحديثة والتي تمثلت  تاريخيا  بالمقرر الدراسي الذي يجب على الطالب تعلمه ما ادى الى التركيز على كمية المعلومات التي يتضمنها الكتاب التدريسي من دون مراعاة الاهداف ومخارج التعلم  للمادة التعليمية ، وبعدم مراعاة عمر الطالب، وباعتبار المدرس هو الحجر الاساس والتلميذ هو المتلقي السلبي في العملية التعليمية  فأصبحت العملية التعليمية، سواء في المدرسة او الجامعة عبارة عن تلقين المعلومات  تلقينا اعمى غير واعٍ، والامتحانات  تقوم على تذكر المعلومات واجترارها، وإهمال الكثير من المهام الاساسية في العملية التعليمية، كاكتشاف وتوظيف القدرات والمهارات والمواهب. فأصبحت للحفظ قيمة ايجابية كما كان عليه في العصور القديمة، بالرغم من كونه يجعل الانسان أكثر استعدادا لتقبل القهر السياسي ويكرس الاستبداد ويشجع على التطرف.

العلاقة بين التلقين والانظمة الدكتاتورية والقمعية وثقافة القهر والاستبداد علاقة وثيقة لأنه يعّود الطالب على الترديد الببغاوي والخضوع للسلطة ويساهم في نزع ارادة الفرد ويستعبده عبر تكبيل العقل بحيث تجعله محصورا فيما يتلقاه فلا يعوده على النقد والنقاش والتفكير الحر المستقل خارج اسوار المنهج.  والتلقين هو أحد ادوات السيطرة على البيئة الفكرية والثقافية في الدول الدكتاتورية، واختزال الثقافة الى مقولات ترددها الجماهير من دون فهم ولخدمة مصالح الطبقة الحاكمة، ويؤدي الى التخلف العلمي وما يصاحبه من تدهور في التنمية الاقتصادية وعدم قدرة المجتمع على سد حاجاته الاساسية وظهور مظاهر العجز في الابداع والبحث العلمي وانتشار الاقتباس والسرقات العلمية. 

يؤدي اسلوب التلقين والحفظ الى نتائج سيكولوجية وخيمة على الطالب، فهو يشكل ضغطا نفسيا كبيرا يؤثر على حياتهم وعلاقاتهم خصوصا على من لم تتوفر له ذاكرة قوية، فيكثر الزلل ويورث الضجر ويفقده لذة التفكير والتأويل، ويجعله كارها لقراءة الكتب المدرسية بسبب كثرة الاعادة لغرض الاستذكار، ويحرمه من متعة البحث والتنقيب واكتشاف المعلومات ولا يسمح له بالاستقلالية، ولا بالتفاعل مع المعلمين. انه اسلوب فاشل في التدريس يلغي النقاش والتفكير النقدي، ويركز على الكم لا على الكيف.

وقد يوجد من يدافع عن التلقين فيقول ان هناك مسائل تحتاج الى الحفظ خصوصا في اللغة والدين والتاريخ فهو ضروري لإضافة المعارف كحفظ الشعر في اللغة، وقراءة الجدول الدوري في الكيمياء وجدول الضرب في الرياضيات وتراكيب الجسم الحيوية في الطب والقوانين في الحقوق، ولكنها مسائل لا تحتاج الى تركيز المناهج وأساليب التدريس على الحفظ بما يمنع الفهم والإبداع عند الطالب. لم يعد من الصعوبة في عصرنا هذا، عصر الثورة الرقمية والانترنت، استحصال المعلومات وتسجيلها وتسميتها وتعديدها متى ما شئنا ورغبنا، ولذلك يعتبر الحاسوب اذكى في يومنا هذا من حفاظ المعلومات ولكنه أضعف قدرة من الاشخاص المتميزين في التحليل والاستقراء والإبداع الذاتي.

التلقين آفة غزت مناهج التدريس، فلم يعد للمدرس دور إلا النقل الآلي للمعلومات سواء عن طريق الالقاء او الكتابة على السبورة، وهو مصيدة للطالب من ناحية جعله سلبيا اثناء الدرس، وحضوره الدرس لا يزيد ولا ينقص ولا يضيف جديدا على ما يوفره الكتاب المدرسي لغرض الحصول على اعلى الدرجات في الامتحانات. من المفيد هنا أن أذكر تجربة اجراها أحد اساتذة الجامعة في الماضي أثبت فيها فشل اسلوب التلقين في اعداد متخصصين مهرة.  طلب هذا الاستاذ من احدى طالبات اللغة الانكليزية في كلية الآداب ان تستذكر مواضيع “ملزمته” التدريسية المكتوبة باللغة الانكليزية والخاصة بكلية الطب، وان تتهيأ لإجراء امتحان في الموضوع مع طلبته في كلية الطب. بعد اجراء الامتحان ظهر من النتائج ان هذه الطالبة من قسم اللغة الانكليزية في كلية الآداب قد تفوقت على طلبته في موضوع تخصصهم الطبي. لماذا تفوقت هذه الطالبة على طلبة الكلية الطبية وفي درس لا علاقة لها به؟ هناك سببان لهذه النتيجة، اولها ان التدريس باللغة الانكليزية لطلبة ضعيفي التكوين في اللغة يفقدهم الى درجة ما القدرة على فهم المادة العلمية ما يضطرهم الى التركيز على حفظ المادة عن ظهر قلب واستذكارها كما استذكرتها طالبة اللغة الانكليزية. ويكمن السبب الثاني في كون منهج التلقين لا يسمح إلا بأسئلة امتحانيه لتقييم قابليات ترديد المعارف وتسجيلها وتسميتها واستذكارها وتعديدها ما منح افضلية لطالبة تعودت على الحفظ والترديد وأكسبها ذلك قدرة لغوية استطاعت بها وفي ظل الزمن المحدد للامتحان من تكديس نسبة اعلى من المعلومات.

ومن سلبيات نهج التلقين والحفظ هو اعتماده على اسلوب امتحاني يعطي افضلية “للحفاظ” دون “المبدعين والمبتكرين”. ولان هذا النهج الامتحاني يشجع على الدروس الخصوصية والواجب المنزلي ويفضل اسئلة تعتمد على حل واحد للمشكلة الواحدة، ولا يفضل الاسئلة ذات الاجابات المفتوحة، ولا للأسئلة التي تتطلب نقدا وتحليلا وتعبيرا مختلفا فإنه يؤدي الى انتاج اعداد هائلة من المتفوقين الحاصلين على مجموع درجات تتراوح بين 90% الى 100%. وكنتيجة لهذه التخمة نرى بعض كليات الطب لا تقبل في صفوفها طلابا بمعدلات اقل من 99% في المرحلة الاعدادية، وهذا ما يجعل الطلاب يحفظون كتبهم حرفيا لتجنب اي خطأ مهما كان صغيرا او اي انحراف عما هو ملقن لهم مهما كان ضئيلا لان درجة واحدة قد تؤدي بهم الى كلية ليست من اختيارهم. لا اعرف اي نظام تربوي في العالم يستطيع التمييز بين قابليات ومهارات طلبة تختلف درجاتهم بـ 1% فقط، فكيف يمكن دفع طلبة على هذا الاساس لدراسة الهندسة دون الطب او العلوم دون الهندسة كما يحصل في نظامنا التربوي.  

يشير غستاف لوبون (1841-1931) في فصل رائع حول التعليم والتربية من كتابه (سيكولوجية الجماهير-ترجمة هشام صالح، نشر الساقي) الى “ان خطر التربية (الكلاسيكية) هو ارتكازها على خطأ نفسي اساسي مفاده ان استذكار الكتب المدرسية يطور الذكاء او يجعله يتفتح. وبناء على ذلك يجهد الطلاب في تعلم أكبر قدر من المواد والمعلومات واختزانها. وهكذا نجد ان الطالب الشاب ما ينفك منذ السنة الابتدائية وحتى الدكتوراه يبتلع مضمون الكتب بدون ان يشّغل عقله او رأيه الشخصي. ويؤكد لوبون على ان المعارف التي يحفظها الطلاب ويرددوها كثيرا ليسجلوها على ورقة الامتحان سرعان ما ينسونها وتتبخر من عقولهم فور الانتهاء من الامتحان.  هذا كان رأي لوبون حول نظام التربية الفرنسي قبل حوالي قرن من الزمان والذي يوضح بجلاء المشاكل التي يعانيها نظامنا التربوي في الوقت الحاضر والذي يختزل الذكاء الى مجرد مقياس لدرجة حفظ وترديد المعارف وتسميتها وتعديدها.  

ويبدو لي ان نظام التربية العراقي يمر في أزمة خانقة، كما اكدتُ عليه سابقا، تتمثل بالإضافة الى مشاكل التعليم التي ابتليت بها طرق التدريس والامتحانات والتي ادت الى ظهور اجيال من المعاقين معرفيا، وفي ضعف اسس التربية الاخلاقية بما فيها الجوانب الوجدانية والسلوكية، وارتفاع نسبة الاكتظاظ  في الصفوف والقاعات الدراسية، وضعف نوعية ومهارات المدرسين، والبيئة المدرسية غير المناسبة، والنقص الهائل في التجهيزات المدرسية. ولربما كان ممكنا ان نقبل كل اضرار نظامنا التعليمي لو انه يؤدي الى تأهيل الطالب لاحتياجات سوق العمل ويمنحه مهارات شخصية ومهنية. ان قناعاتنا تفرض علينا الحكم بالفشل على نظامنا التربوي وعلى ضرورة تحقيق اصلاح تربوي جذري يمثل فلسفة ورؤية حديثة تستند على المبادئ الاربعة التي حددتها اليونسكو، وهي التعلم للمعرفة، والتعلم للعمل، والتعلم للعيش والتعايش مع الآخرين، والتعلم مدى الحياة، وان يستند ايضا على مراجعة معمقة لمشاريع الاصلاح التربوي في الدول الغربية والعربية.

ومن هذا المنطلق، نود طرح بعض الآراء والمقترحات التي من شأنها ان تخرجنا من مصيدة التلقين والحفظ في النظام التعليمي، وهي:

  • 1-الاعتماد في تأليف الكتاب المدرسي على الاهداف ومخارج التعلم للمادة الدراسية والاستعانة بالتربويين ليشاركوا زملاءهم المختصين العلميين في تأليف الكتب المدرسية.
  • 2-الاهتمام بالمهارة والجانبين، الحسي والاجتماعي، في تحسين شخصية الطالب وكذلك الاهتمام بالتربية الاخلاقية.
  • 3-الغاء اسلوب القراءة الحرفية من الكتاب وتعليم الطالب على اسلوب كتابة المختصرات وبما يسمى (رؤوس الاقلام) وبعدم النقل الحرفي من السبورة.
  • 4-التحول من التعليم الى التعلّم وذلك بإلقاء العبء على الطالب وعدم حرمانه من المشاركة وتحفيز اكتشاف واستنباط المعلومات عنده، والاهتمام ببيئة التعلم واعتبارها اهم من ساعات التدريس، والتركيز على تعليم الناتج عن فعالية ما، لا على الفعالية نفسها.
  • 5-تكليف الطالب باستحصال المعلومة بدل الحصول عليها جاهزة من المدرس او الكتاب المقرر كالرجوع الى المصادر أو الى الانترنت وسبك المعلومات بطريقته الخاصة.
  • 6-التأكيد على الأساليب التربوية التي تشجع على الفهم والتفكير المستقل والتساؤل والبحث والتجريب والنقد والعمل الجماعي.
  • 7-تغيير الاساليب الامتحانية الحالية بحيث تعتمد اجوبة الاسئلة على التحليل والشرح والنقد واستخدام مجموعة مختلفة من اساليب التقييم تتناسب مع كل نوع مختلف من انواع التعلم. كما يفضل تجنب وضع اجابة نموذجية تستند على مادة الكتاب المقرر كأساس للتقييم.
  • 8-تقليل عدد الساعات الدراسية والامتناع عن اتخام الطالب بالمعلومات وذلك عن طريق تقليص عدد مواد المنهج وإلغاء المواد التي تبدو عديمة الفائدة لتقليل حجم الحشو المعلوماتي.
  • 9-التأكيد على حل المشاكل والبحث والتفكير المستقل في الواجب المنزلي كبديل لاستذكار المعلومات المتوفرة في الكتاب المدرسي او ما ذكره المدرس في قاعة التدريس.

منشور في جريدة المدى بتاريخ 6/12/2015 العدد (3516) موجودة على الرابط ادناه:

 اضغط هنا لفتح الرابط

(الآراء الواردة في الموضوع لا تعبر بالضرورة عن رأي الجمعية ووجهتها انما هي اراء الكاتب)

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق