العودة التي لا تنتهي ماذا يحدث بعد أن تُغلق المخيمات؟

عندما أُغلقت المخيمات، بدا وكأن صفحة طويلة من النزوح قد طُويت أخيرًا. في البيانات الرسمية، كانت العودة عنوانًا للنجاح، وإشارة إلى نهاية أزمة امتدت لسنوات. لكن في غرب الأنبار، حيث عادت مئات الأسر إلى قراها ومدنها، لم يكن الشعور العام بأن القصة انتهت. على العكس، بدت العودة وكأنها بداية مرحلة أكثر غموضًا، وأقل وضوحًا من النزوح نفسه.
تعتمد هذه المقالة على ورقة سياسات أُعدت في إطار مشروع تعزيز الشراكة بين الحكومة والمجتمع المدني في مجال حقوق الإنسان، والتي تناولت واقع أسر العائدين من منظور حقوقي واجتماعي. وتهدف المقالة إلى تسليط الضوء على بعض النتائج والتحليلات الواردة في الورقة بلغة سردية موجهة للجمهور العام.
فكثير من العائدين وصلوا إلى بيوتهم وهم يحملون سؤالًا واحدًا: ماذا بعد؟ فالبيت، وإن كان قائمًا، لم يكن كافيًا ليعيد الحياة إلى مسارها الطبيعي. الخدمات شحيحة، فرص العمل محدودة، والمؤسسات المحلية غير مهيأة لاستيعاب هذا العدد من العائدين دفعة واحدة. في هذا السياق، تحولت العودة من فعل إنساني منتظر إلى تجربة هشّة، تتطلب قدرة مستمرة على التكيّف مع واقع غير مستقر.
تشير البيانات الميدانية الواردة في ورقة السياسات إلى أن أكثر من %60 من أسر العائدين في غرب الأنبار لا تمتلك مصدر دخل مستقر بعد العودة. هذا الرقم لا يعكس فقط أزمة اقتصادية، بل يكشف عن حالة اعتماد طويلة الأمد على المساعدات أو العمل غير الرسمي، ما يجعل الاستقرار مؤقتًا وقابلًا للانهيار عند أول أزمة. أحد العائدين وصف العودة بأنها بلا عمل حقيقي يضمن الاستقرار.
إلى جانب الدخل، تبرز مشكلة الوثائق الرسمية كأحد أكثر العوائق تأثيرًا في حياة العائدين. تشير الورقة إلى أن ما يقارب %90 من الأسر التي شملها البحث تعاني من نقص أو عدم اكتمال في الوثائق الثبوتية، سواء بطاقات الأحوال أو شهادات الميلاد أو وثائق الزواج. هذه الفجوة القانونية تحولت إلى حاجز يومي يمنع الأطفال من الالتحاق بالمدارس، ويُقيّد وصول الأسر إلى الرعاية الصحية وبرامج الحماية الاجتماعية، ويغلق الباب أمام أي فرصة عمل رسمية.
بالنسبة للنساء، تتضاعف آثار هذه المشكلة. ففي العديد من الأسر التي فقدت معيلها خلال سنوات النزوح، أصبحت المرأة هي المسؤولة عن متابعة الإجراءات القانونية المعقدة، في مؤسسات لا تراعي هشاشة أوضاعها الاجتماعية أو الاقتصادية. إحدى النساء العائدات وصفت تجربتها مع الدوائر الرسمية بأنها سلسلة لا تنتهي من الانتظار والتأجيل
لكن التحديات لا تتوقف عند الاقتصاد أو الإدارة. هناك جانب آخر أقل ظهورًا في التقارير الرسمية، لكنه حاضر بقوة في الحياة اليومية، وهو الوصم الاجتماعي. فبحسب الورقة،يشعر نحو 74% من العائدين بانتماء جزئي فقط هذا الانتماء الجزئي يعكس هشاشة العلاقة بين الفرد والمجتمع بعد النزوح
عدد من العائدين عبروا عن شعورهم بأنهم عادوا إلى المكان نفسه، لكن إلى مجتمع تغير ولم يعد كما كان. هذه الجملة القصيرة تختصر مسافة طويلة من التوتر الاجتماعي، حيث يجد العائد نفسه مضطرًا لإثبات أنه “ينتمي” من جديد، وأنه لا يشكل تهديدًا أو عبئًا. في هذا المناخ، يصبح الاندماج الاجتماعي عملية بطيئة، وغير مضمونة النتائج.
في قلب هذه المعادلة، تلعب النساء دورًا محوريًا في الحفاظ على تماسك الأسرة. فالمرأة العائدة لا تواجه فقط تحديات الدخل والوثائق، بل تتحمل أيضًا عبء الدعم النفسي للأطفال، وإدارة العلاقات مع المجتمع، ومحاولة إعادة بناء شبكة اجتماعية من الصفر. ورغم هذا الدور، تشير الورقة إلى أن النساء ما زلن الأقل وصولًا إلى برامج التمكين الاقتصادي، والأبعد عن دوائر صنع القرار المحلي، حيث تُصمَّم السياسات غالبًا دون إشراكهن الفعلي.
ما تكشفه هذه الصورة المركبة هو أن العودة، بصيغتها الحالية، تُدار بوصفها إجراءً إداريًا أكثر من كونها مسارًا اجتماعيًا طويل الأمد. فالكثير من التدخلات تركز على المدى القصير، وعلى تحقيق مؤشرات رقمية سريعة، دون معالجة الجذور البنيوية للأزمة، مثل فقدان الوثائق، هشاشة سبل العيش، والوصم الاجتماعي.
لهذا، تدعو ورقة السياسات إلى إعادة التفكير في مفهوم العودة نفسه، والانتقال من منطق “إغلاق المخيمات” إلى منطق “إعادة بناء الحياة”. عودة لا تُقاس بعدد العائدين فقط، بل بقدرتهم على الوصول إلى حقوقهم، والشعور بالأمان، والانتماء إلى مجتمعاتهم دون خوف أو تهميش.
إغلاق المخيمات قد يكون خطوة ضرورية، لكنه ليس نهاية القصة. فالعودة الحقيقية تبدأ عندما لا تكون الهوية مؤجلة، ولا يكون العمل استثناءً، ولا تشعر المرأة أنها وحدها في مواجهة نظام معقّد. تبدأ حين تتحول العودة من حدث عابر إلى استقرار مستدام.
تأتي هذه الورقة ضمن مشروع تعزيز الشراكة بين الحكومة والمجتمع المدني في مجال حقوق الإنسان، كما تُعد هذه الورقة جزءًا من مبادرة منظمة السلام للتعايش السلمي، المنفذة بدعم وتمويل من جمعية الأمل العراقية، في إطار جهود مشتركة تهدف إلى تعزيز التماسك المجتمعي، ومعالجة التحديات الحقوقية والاجتماعية التي تواجه المجتمعات العائدة، ليس بوصفها أزمات طارئة، بل كقضايا بنيوية تتطلب حلولًا طويلة الأمد.
بهذا المعنى، لا تحاول الورقة أن تُغلق ملف العودة، بل أن تفتحه على أسئلة أعمق: كيف نضمن أن تكون العودة كريمة؟ ومن يتحمل مسؤولية ما يحدث بعدها؟ وكيف يمكن للشراكة بين الدولة والمجتمع المدني أن تتحول من شعار إلى ممارسة تُغيّر حياة الناس فعليًا؟هذه الأسئلة لا تخص العائدين وحدهم، بل تخص المجتمع كله
فالعودة، كما يرويها العائدون أنفسهم، ليست لحظة وصول… بل مسار طويل لم يُكتب عنوانه بعد.